لليلِ
قصائد نثرية
الجمعة، 6 أغسطس 2021
الخميس، 2 أبريل 2020
عاداتٌ سيِّئةٌ مُكتسبَة...
«يوم ابتلعَ ابنُ فينرير القمر..
كان ظلامٌ؛
وكانت المعركة.
كان ظلامٌ؛
وكانت المعركة.
يوم تطهرت الأرضُ من
الشرورِ..
وُلِدَ قمرٌ جديد؛
وعَرَفت الذئابُ العُواء.
وُلِدَ قمرٌ جديد؛
وعَرَفت الذئابُ العُواء.
ورَأت الآلهةُ ذلكَ حَسَن. «
...
آية 99_101، إصحاح
"النهايةُ والبداية_ العدلُ مقابل الانتقام"،
سِفر "العالمُ الذهبيّ".
سِفر "العالمُ الذهبيّ".
......................
سهام محمد_ القاهرة
15/3/2020م
الأحد، 16 فبراير 2020
الانتهاكات الجميلة لسهام محمد
مجلة "ميريت الثقافية". العدد رقم (١٤)- فبراير ٢٠٢٠م
"الانتهاكات الجميلة لسهام محمد
الانتصار للإنسان في كل مكان."
بقلم الكاتب والشاعر أ. "عبد الوهاب الملوح" (من تونس)،
قراءة في مجموعتي الشعرية "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة".
...........
"الانتهاكات الجميلة لسهام محمد
الانتصار للإنسان في كل مكان."
بقلم الكاتب والشاعر أ. "عبد الوهاب الملوح" (من تونس)،
قراءة في مجموعتي الشعرية "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة".
...........
تقول الشاعرة "سهام
محمد" في قصيدة بعنوان "لا عنوان"،
وحدها «النهايةُ» تلوحُ
في البدء..
فليس هناك بدايةٌ مشوقة
لتجتذب القارئ،
ولا وسطٌ كمتنٍ يسجل الحَدَث
ويحتوي الفكرة.
وحدها «النهايةُ»..
تراجيديةٌ،
مُحكمة،
وربما تبقى مفتوحة
لمداعبةِ الخيال،
أو ثوريةٌ.. كثوراتنا الخائبة.
فكل شيء بالنسبة لها هو نهاية، بما إن البدء فيه نهاية، غير أن هذه النهاية تظل مفتوحة، ولذلك هي تذهب نحو الأقصى في كتابتها، تذهب إلى ما هو أبعد من التخوم، ولا تتأخر عن أن تتجزأ وتداهم المناطق غير المأهولة، وهي ترى أن الكتابة مغامرة قبل؛ وإذ يذهب في اعتقاد الكثيرين أن الجرأة في الفن عمومًا والأدب بصفة أخص، تتمثل غالبًا في معالجة المسائل المسكوت عنها في كل المجتمعات، والتي غالبًا ما تدور حول الدين والسياسة والجنس، وذلك لحساسيتها أو لقداستها أو لدناستها؛ فانشغل الكثير من الكتاب في مختلف مجالاتهم منذ الأزل بهذه المواضيع، ولا يكاد يخلو عصر من العصور البشرية بمثل هذه الكتابات التي تم تصنيفها ضمن خانة المحظور والممنوع بل وقد تمت مصادرة كتب وإحراق الكثير من المؤلفات وحبس أصحابها أو إعدامهم بسبب جرأتهم في تناول المحظور بحجة الخروج عن السياق العام؛ فإن الأخطر من تناول هذه المقدسات هو كيفية تناولها وطريقة معالجتها والشكل الذي يتم صياغة الفكرة عنها؛ ذلك أنه وكما قال الجاحظ قديمًا "المعاني مطروحة على الطريق"، فالاختلاف الحقيقي بين النصوص ليس فيما تقوله بل في كيف تقول هذه النصوص؟ كيف تتشكل؟ وكيف تكون؟، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار المجموعة الشعرية "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة" للشاعرة "سهام محمد" مختلفة من جهة أن القصائد لم ترد على الشكل المعتاد الذي تعود الشعراء صياغة قصائدهم من خلاله. فأول ما سوف يلفت الانتباه في هذه المجموعة أن الاهتمام بالتوزيع البصري للنصوص فيها على غاية من الدقة، ففي حين لم تتجاوز النصوص ذات السطر الواحد الصفحة الواحدة بل وأحيانًا لم تتجاوز الثلاثة أسطر فقط، هناك نصوص أخرى وردت في شكل كتلة على الطريقة النثرية المعتادة، ومسحت في فضائها الطوبوغرافي أكثرمن ثلاث صفحات، إضافة إلى التركيز على علامات التنقيط وإيلائها أهمية كبرى في نطاق مجال تحرك النص.
فليس هناك بدايةٌ مشوقة
لتجتذب القارئ،
ولا وسطٌ كمتنٍ يسجل الحَدَث
ويحتوي الفكرة.
وحدها «النهايةُ»..
تراجيديةٌ،
مُحكمة،
وربما تبقى مفتوحة
لمداعبةِ الخيال،
أو ثوريةٌ.. كثوراتنا الخائبة.
فكل شيء بالنسبة لها هو نهاية، بما إن البدء فيه نهاية، غير أن هذه النهاية تظل مفتوحة، ولذلك هي تذهب نحو الأقصى في كتابتها، تذهب إلى ما هو أبعد من التخوم، ولا تتأخر عن أن تتجزأ وتداهم المناطق غير المأهولة، وهي ترى أن الكتابة مغامرة قبل؛ وإذ يذهب في اعتقاد الكثيرين أن الجرأة في الفن عمومًا والأدب بصفة أخص، تتمثل غالبًا في معالجة المسائل المسكوت عنها في كل المجتمعات، والتي غالبًا ما تدور حول الدين والسياسة والجنس، وذلك لحساسيتها أو لقداستها أو لدناستها؛ فانشغل الكثير من الكتاب في مختلف مجالاتهم منذ الأزل بهذه المواضيع، ولا يكاد يخلو عصر من العصور البشرية بمثل هذه الكتابات التي تم تصنيفها ضمن خانة المحظور والممنوع بل وقد تمت مصادرة كتب وإحراق الكثير من المؤلفات وحبس أصحابها أو إعدامهم بسبب جرأتهم في تناول المحظور بحجة الخروج عن السياق العام؛ فإن الأخطر من تناول هذه المقدسات هو كيفية تناولها وطريقة معالجتها والشكل الذي يتم صياغة الفكرة عنها؛ ذلك أنه وكما قال الجاحظ قديمًا "المعاني مطروحة على الطريق"، فالاختلاف الحقيقي بين النصوص ليس فيما تقوله بل في كيف تقول هذه النصوص؟ كيف تتشكل؟ وكيف تكون؟، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار المجموعة الشعرية "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة" للشاعرة "سهام محمد" مختلفة من جهة أن القصائد لم ترد على الشكل المعتاد الذي تعود الشعراء صياغة قصائدهم من خلاله. فأول ما سوف يلفت الانتباه في هذه المجموعة أن الاهتمام بالتوزيع البصري للنصوص فيها على غاية من الدقة، ففي حين لم تتجاوز النصوص ذات السطر الواحد الصفحة الواحدة بل وأحيانًا لم تتجاوز الثلاثة أسطر فقط، هناك نصوص أخرى وردت في شكل كتلة على الطريقة النثرية المعتادة، ومسحت في فضائها الطوبوغرافي أكثرمن ثلاث صفحات، إضافة إلى التركيز على علامات التنقيط وإيلائها أهمية كبرى في نطاق مجال تحرك النص.
فالشاعرة تعلن منذ البدء تمردها على الشكل المعتاد
في كتابة الشعر وتنسف كل القواعد المعتمدة في تشييد الهيكل الخارجي للقصيدة، الذي
شهد تطورًا كبيرًا منذ القدم من نظام السطرين، صدر وعجز؛ إلى نظام السطر الواحد في
بعض الموشحات الأندلسية، إلى اعتماد السطر الواحد المبتور في القصيدة بالنثر،
وصولًا إلى شكل الكتلة، والذي مازال استعماله إلى اليوم يُعتبر بدعة، مرورًا
بالقصيدة المرئية التي ابتدعها "أبولينار" وتبنى العمل بها الكثير من
الشعراء العرب من مثل "أدونيس" و"العزاوي" و"بنيس"
وغيرهم... فتَكاسُل الكثير من الشعراء عن البحث والاجتهاد في تجديد مفهومهم للشعر
والقصيدة خاصة ينضاف إليه ما أصاب الشعر من امتهان في الواقع، أحدث ردة فعل تمثلت
في الاحتفاء به خارج الأشكال والقوالب المعهودة، فليس للشعر قالب نمطي محدد يتوجب
صياغته فيه. ولقد تعددت وجوه الجرأة في هذه المجموعة الشعرية فلم تتوقف عند حدود
التوزيع البصري للنص بل إنها ستزداد تصاعدًا بما يشكل مفاجآت، هذي الكتابة التي
بقدر ما توهم بهشاشتها هي متينة ومتماسكة الرؤيا؛ فالشاعرة تغامر بكتابة نص على
غير الشاكلة القديمة، معتمدة أساليب –وإن بدت سلسة، لكنها- شديدة التعقد، من ذلك
أن القصيدة عندها أفضية لتوليد خلايا سردية، وإن أُتيح لها المجال لتنمو فليس
لتتحول إلى حكاية أو قصة بالمفهوم التقليدي، بل هي "كيان قائم بشعريته يحاول
أن يناقض ويعدِّل سير الواقع الذي من فرط ابتذاله ورثاثته أصبح يستدعي رد فعل قد
يكون تلقائيًا، أصبح اللجوء إلى الشعر هو الملاذ والخلاص من الرثاثة والابتذال
والمهانة التي يتميز بها الواقع المحيط بنا، انعدام الشعر في الواقع أصبح يستدعي
الشعر في الفن". هكذا يقول "إدوارد الخراط" في كتابه
"الحساسية الجديدة" خلال حديثه عن القصة القصيدة، والشاعرة هنا وهي تقدم
كتابة عابرة للأنواع بقدر ما تحرر كتابتها من كل انضباط نظري، تطأ عوالم محفوفة
بالأخطار وتطرق
أساليب مغايرة في السرد ولقد جاءت النصوص " حين التحقق"،" والبعثات
تترى"،" ثالثة سياحية"، "عندما
علا المد"،
"والبراءُ
دربٌ طويل"،
"في
ليلةٍ نجومُها يَقِظَة" و"قطة
لوزية العينين" مختلفة في
شكلها، مضللة توهم أنها من نوع القصة القصيرة، غير أن طريقة معالجتها من حيث الأسلوب
واللغة والإيقاع هي كتابة أخرى متجاوزة تمامًا؛ فلئن دارت أغلبها حول السفر
والغربة والعابر الغريب، غير أنها جاءت من خلال حوارات داخلية تتقاطعها التداعيات
والنوستالجيا العميقة من خلال معجم لغوي متعدد الدلالات، والشخوص بلا أسماء هي
مجرد أطياف متحركة، بإهمال كامل متقصد للأطر الزمانية والمكانية، خالية من الأحداث
الكثيرة المتواترة وصنوف الحوار المتنوعة، بما يجعلها كبسولات مضغوطة شديدة
التكثيف، معنية بالأساس بما هو تصوري إيحائي، أكثر
منه سرد لأحداث متتالة، وهو ما لا يعني خلوها من الحبكة، فوظيفة الحبكة هنا تختلف
وظيفتها عن تلك التي في القصة القصيرة
المألوفة، ودورها هنا الدفع أكثر للوعي بفكرة تشتت الإنسان اليوم وتفتته وافتقاده لقيمته كإنسان، وهو ما أظهرته
الشاعرة بذكاء متفوق في أغلب قفلاتها لهذي النصوص"
:تلذذ بإفراغ مثانته"؛ "قرر
القفز من القطار"؛
"الذكرى
خلت العضة المرَّة دي في القلب".
ويتواصل نسق الشاعرة في الكتابة بهذا الأسلوب
المباغت الذي يعمل على الإرباك و إحداث رجة عند القارئ، وهو ما حدث مع نص "قطة لوزية العينين"،
إذ أنها لم تكتف بالاشارة إلى أنه مُسَوّدة،
فهي مخطوطة الكاتب في مرحلتها الأولى بما تحتمله من هوامش وأخطاء وانحرافات وزوائد،
ولذلك يحجم عن نشرها إلا بعد ما يتم
تهذيبها والاشتغال عليها بالمحو والتشذيب. غير أن الشاعرة كسرت القاعدة هنا ونشرت
هذه المسودة كما
لو أنها تعمل بنصيحة "رولان بارت":
"على
كل كاتب أن يعتد بمخطوطات كتابته الأولى"، لكن المباغتة لن تتوقف هنا فقط، إذ
لا يكفي أن النص مسودة، بل جاء كله
باللهجة العامية المحلية، فهي تستجلب لغة
النص من قمامة اليومي وتزج بها في خطاب يعالج
مسألة ذات عمق فلسفي، قد يرى البعض في ذلك عجزًا وقد يراه البعض الآخر تهورًا، غير
أنه أسلوب التبكيت الساخر المتهكم (sarcasm dauteur) وهي في قلب الشعرية المتجاوزة. لن تقلل اللغة في
لهجتها العامية في شيء من قيمة النص وشعريته، بل إن هذا المعجم اليومي الذي
يتداوله العامة يتوفر على كم كبير من الجمالية الأدبية النوعية، سواء من حيث
بلاغته الدلالية أو من حيث صوره الجمالية المتفلتة، أو من حيث قدرته على صياغة
الفكرة بشكل مختزل، وهو ما يرشحه لإنتاج المعنى بشكل يقارب ما يمكن أن تفعله
الفصحى، وقد تمكنت الشاعرة بحدسها الشعري اليقظ من التقاط المفردات التي خدمت النص في مرتقى فني عال.
ومن آخر النصوص التي جاءت على شاكلة النص النثري في هذا الكتاب الشعري الصغير؛ مجموعة من الرسائل اختارت لها الشاعرة عنوانًا جامعًا "كتاباتٌ مرسلة، ومحبة"، وردت في خمسة نصوص منفردة تحت عنوان مشترك "جواب"، ولكل جواب رتبته حسب الاستلام أو التسلم، ويمكن إدراج هذي النصوص ضمن أدب الرسائل أو فن الترسل، وهو أدب قائم بذاته عند العرب تنوع بحسب أغراضه إلى درجة أن "القلقشندي" خصص قسمًا كاملًا في "صبح الأعشى" لتصنيف مختلف أنواع الترسل، على أن أهم الكتب النثرية في التراث العربي جاءت على شكل رسائل، رسالة "التربيع والتدوير" للجاحظ، رسائل "الصاحب بن عباد"، رسالة "الغفران" للمعري، رسائل "أخوان الصفا"، ولقد تطور هذا النمط من الكتابة ليتخذ صبغة أدبية، ثم يصبح أمرًا شخصيًا بحتًا، ومنها ما ورد أصلًا في شكل كتب من مثل: "رسائل الأحزان" للرافعي، و"زهرة العمر" لتوفيق الحكيم، ومنها رسائل شخصية بين أدباء تم تجميعها وهو الشأن لرسائل "مي زيادة" و"العقاد"، أو "الرافعي" و"أبو رية"، أو "غادة السمان" و"غسان كنفاني"، أو "محمود درويش" و"سميح القاسم".
ومن آخر النصوص التي جاءت على شاكلة النص النثري في هذا الكتاب الشعري الصغير؛ مجموعة من الرسائل اختارت لها الشاعرة عنوانًا جامعًا "كتاباتٌ مرسلة، ومحبة"، وردت في خمسة نصوص منفردة تحت عنوان مشترك "جواب"، ولكل جواب رتبته حسب الاستلام أو التسلم، ويمكن إدراج هذي النصوص ضمن أدب الرسائل أو فن الترسل، وهو أدب قائم بذاته عند العرب تنوع بحسب أغراضه إلى درجة أن "القلقشندي" خصص قسمًا كاملًا في "صبح الأعشى" لتصنيف مختلف أنواع الترسل، على أن أهم الكتب النثرية في التراث العربي جاءت على شكل رسائل، رسالة "التربيع والتدوير" للجاحظ، رسائل "الصاحب بن عباد"، رسالة "الغفران" للمعري، رسائل "أخوان الصفا"، ولقد تطور هذا النمط من الكتابة ليتخذ صبغة أدبية، ثم يصبح أمرًا شخصيًا بحتًا، ومنها ما ورد أصلًا في شكل كتب من مثل: "رسائل الأحزان" للرافعي، و"زهرة العمر" لتوفيق الحكيم، ومنها رسائل شخصية بين أدباء تم تجميعها وهو الشأن لرسائل "مي زيادة" و"العقاد"، أو "الرافعي" و"أبو رية"، أو "غادة السمان" و"غسان كنفاني"، أو "محمود درويش" و"سميح القاسم".
ولئن استقر الرأي على تعريف "الرسالة الأدبية"
أنها: "نص نثري موجه إلى شخص مخصص بذاته تتم صياغته على نحو وجداني يتميز
بالنجوى أو الشكوى من خلال توارد خواطر بلا ترتيب"، غير أن الشاعرة في مراسلاتها
هنا تعيد إحياء هذا الأدب في زمن التكنولوجيا وانقراض التراسل الورقي، ضاربة عرض
الحائط بالمفهوم المعتاد للرسالة الأدبية، وجعلت منها شبه وثيقة لما يدور في
البلاد، بل إن بعض الفقرات من رسائلها جاءت وكما لو أنها صور فوتوغرافية، وكما لو
أنها توثق ما يحدث في البلاد في يناير 2011، وتدلي برأيها بشكل فني فيما يحدث
بسوريا وباليمن، في لغة ما بين الإنشائية والصحفية، لكن في شكل أدبي عال، وهو ما جعل
من هذه الرسائل نصوصًا فنية.
بهذي ال "كتابات مرسلة" تنتهي المجموعة، غير أنه لا نهاية إطلاقا كما سبق وقالت الشاعرة في قصيدة "لا عنوان" النهايات مفتوحة، وتظل الأسئلة قائمة، إذ أن النقطة آخر سطر القصيدة لا تعني البتة أنها انتهت، ولا يعني أنها قالت كل ما يجب قوله وعلى القارئ أن يعود للقراءة مجددًا، فالقصيدة لا تقول كل شيء دفعة واحدة، وهي لا تبوح بأسرارها من قراءة واحدة، ناهيك عن أن القارئ مدعو لإعادة كتابتها طالما أنها غير مكتملة؛ فإن اعتقد قارئ الشعر الحديث أنه سيستمتع به فقط، وأنه سيجد فيه ملاذًا من هموم الواقع فهو متوهم، إذ أنه سيُفاجأ بضرورة التفاعل الإيجابي المنتج، ذلك أن القصيدة اليوم هي اختبار لقدرة القارئ على تحسس وإدراك القبيح في الجميل، والجميل في القبيح، بل وعليه إعادة النظر في مفهومه للجمال والكثير من القيم الأخرى، ذلك أن هذه القصيدة تستثير حدسه وتستفز إدراكه للعالم من حوله وكيفية التعامل مع اخفاقاته وخيباته إزاء عبثية هذا الوجود، فالكتابة كما يقول "جاك دريدا": "ندبة" stigmate ، كذلك هي قصيدة "لا توبةَ تشفع...":
كطفلٍ بالَ على نفسِه،
مدركًا حالَه
ويواجه العالم،
أقفُ أسترُ ندبتي.
كطفلٍ
أحبَّ العالم،
وأساءَ لقلبهِ،
أخجلُ أن أُعلِنَ خيبتي.
أو كما جاء في قصيدة "لم يُحسِن «زِيوس« العِقاب "
بين الوادي وأعلى الجبل،
رجلٌ في حيْرتهِ الأبدية
لم يَعدَم المحاولة،
والصخرةُ –بلا ذنبِ- ملَّتْ.
لا تقدم "سهام محمد" قصيدة جاهزة للالتهام كتحلية آخر العشاء، ولا تفشي غل أحد فيما خسره من حرب فاشلة، ولا تدفع أحدًا للرقص والتصفيق، إنما تفتح باب السؤال الجمالي دونما نية للحصول على إجابة، بل لمزيد تعميق هذا السؤال ليتحول إلى سؤال وجود ورياضة ذهنية في مضمار فني؛ فالقصيدة تنبني عندها على الإيماء والإيحاء في اشتغال مركز على تقطيع العبارات وتصريفها ضمن صياغات ذات تراكيب مغايرة بخلاف تلك الجاهزة، ويتضح هذا الاشتغال في أجلى حالاته حين تعمد الشاعرة إلى ما يشبه "كولاج تشكيلي" يجمع بين واقعية مغرقة في سطحيتها وغرائبية تستلهم عناصرها من أساطير بعيدة، أو هي وقائع فعلية في معالجة تصل أحيانًا إلى التهكمية السوداوية والسخرية المرة، كما هو الشأن في قصيدة "مادةٌ مناسبةٌ للنشرِ (عواءٌ حزين)":
الكلبُ الذي عضَّه الرجل
فعلًا
أخبرَ القصةَ
متألمًا..
الكلبُ الذي عضَّهُ الرجل
لم يزايد على فعلِ الإنسان،
أو طالبَ بحقوقٍ خاصة للكلاب؛
للحمايةِ من الهجماتِ الإنسانيةِ
الشريرة،
ولم يدس السُّمَّ لهم
في شربَةِ ماء.
الكلبُ اكتفى فقط
بعواءٍ طويل،
ودمعةٍ اختلطت
بآخرِ قطعةِ لحمٍ بَقيَت
من الرجل الذي عضَّ الكلب َ
كمحاولةٍ بائسة،
قبل أن يصبحَ خبرًا صحفيًا.
هي شعرية خارج الأنساق المألوفة لا تتوسل الجرسية الموسيقية ولا تستجدي العواطف، تنتهك كل المعايير المعتمدة في الكتابة وتنسف كل الضوابط، مخالفة لأغلب سنن الإبداع التي تعود عليها الكتاب والشعراء.
شعرية الضمير اللقيط الذي لا عوائل له ولا أنساب، وكما قال أحد القدامى: "الإبداع أن تأتي بما لم يأت به الأوائل، وأن يفتح الكاتب ورشته الخاصة به، بأدواته التي لن يتقن أحد العمل بها إلا هو، هي تلك الخلطة الكيميائية السحرية التي لا يعرف سرها إلا صاحبها، ولقد أدركت "سهام محمد" أن تثببت الانسجام بين وحدات النص والسعي لتحقيق التناغم الكامل بين عناصره في إيقاع متجانس، فهذا مدعاة لإفساد النص بما يجعله مبتذلًا ركيكًا، تقول في قصيدة "في العتمةِ تتشابه النساء":
يحدثُ في مقامِ الأنثى..
أن تُسرَد الحكايَا
عن شمسٍ تذوب
لقبلاتٍ
تنسابُ بوداعةِ
تليقُ بالمنحنيات..
أن يُولَد نبضٌ
لنبعٍ يفيض
حين يَنضَجُ الحبُ المراوغ؛
فتُزهرُ لعذوبتهِ الغابة.
...
"في العتمةِ _حيث رجل وجَسَد_
تتشابه النساء"
يقول المُجَرِّبُ العابر،
غير أنَّ العارف
يسكنُ إلى النبضِ،
والنبضةُ: حدثٌ فرديٌّ
لا يتكرر.
من الواضح أن هذه القصيدة تقوم على البتر وعلى تقنية الوقف المفاجئ، بما يجعلها بازل، وهو ما يصنع نتواءاتها بما يحقق مبدأ التوتر الذي تحدث عنه "كمال أبو ديب" في كتابه "الشعرية"، وطبعًا ليس الغاية من هذا كله اللعب على أعصاب القارئ بقدر ما هي مرقى فني لاستدراجه في إعادة تركيب هذا البازل، فالقصيدة مترحلة بين الدلالات ولا تستعجل الوصول الى المعنى (الوصل من المفردات التي برز تكرارها في هذه المجموعة)، ومن المعلوم أن الوصول يعني الانتهاء، ويعني الفراغ، والشاعرة مدركة لهذا تمامًا، بل إنها تجيد الاشتغال عليه بمكر فائق الذكاء. وهو ما يزيد من تأكيد انتهاكاتها لكل الأعراف المعمول بها في كتابة القصيدة.
لقد احتوت هذه المجموعة الشعرية على صغر حجمها مختلف أشكال وأنواع الكتابة وأجناسها التي اتفق عليها المنظرون والأكاديميون والدارسون للأدب، فضمت ما اصطلح عليه ب"القصة القصيرة" و"أدب الرسالة" و"الأدب الشعبي" و"التقرير الصحفي" و"القصيدة بالنثر"، أو كما يتم تحديد الأجناس الأدبية، غير أن الشاعرة نسفت كل هذا وألقت به وراء ظهرها لتثبت فشل نظرية الأجناس الأدبية، وتثبت أن الشعرية هي المرقى الجمالي للكتابة، هذه الكتابة العابرة للأجناس، كما تنبأ بذلك "إدوارد الخراط"، والشاعرة بهذا الكتاب الصغير تجرأت أن تتحدى القاعدة والاستثناء؛ انتصارًا للشعرية.
بهذي ال "كتابات مرسلة" تنتهي المجموعة، غير أنه لا نهاية إطلاقا كما سبق وقالت الشاعرة في قصيدة "لا عنوان" النهايات مفتوحة، وتظل الأسئلة قائمة، إذ أن النقطة آخر سطر القصيدة لا تعني البتة أنها انتهت، ولا يعني أنها قالت كل ما يجب قوله وعلى القارئ أن يعود للقراءة مجددًا، فالقصيدة لا تقول كل شيء دفعة واحدة، وهي لا تبوح بأسرارها من قراءة واحدة، ناهيك عن أن القارئ مدعو لإعادة كتابتها طالما أنها غير مكتملة؛ فإن اعتقد قارئ الشعر الحديث أنه سيستمتع به فقط، وأنه سيجد فيه ملاذًا من هموم الواقع فهو متوهم، إذ أنه سيُفاجأ بضرورة التفاعل الإيجابي المنتج، ذلك أن القصيدة اليوم هي اختبار لقدرة القارئ على تحسس وإدراك القبيح في الجميل، والجميل في القبيح، بل وعليه إعادة النظر في مفهومه للجمال والكثير من القيم الأخرى، ذلك أن هذه القصيدة تستثير حدسه وتستفز إدراكه للعالم من حوله وكيفية التعامل مع اخفاقاته وخيباته إزاء عبثية هذا الوجود، فالكتابة كما يقول "جاك دريدا": "ندبة" stigmate ، كذلك هي قصيدة "لا توبةَ تشفع...":
كطفلٍ بالَ على نفسِه،
مدركًا حالَه
ويواجه العالم،
أقفُ أسترُ ندبتي.
كطفلٍ
أحبَّ العالم،
وأساءَ لقلبهِ،
أخجلُ أن أُعلِنَ خيبتي.
أو كما جاء في قصيدة "لم يُحسِن «زِيوس« العِقاب "
بين الوادي وأعلى الجبل،
رجلٌ في حيْرتهِ الأبدية
لم يَعدَم المحاولة،
والصخرةُ –بلا ذنبِ- ملَّتْ.
لا تقدم "سهام محمد" قصيدة جاهزة للالتهام كتحلية آخر العشاء، ولا تفشي غل أحد فيما خسره من حرب فاشلة، ولا تدفع أحدًا للرقص والتصفيق، إنما تفتح باب السؤال الجمالي دونما نية للحصول على إجابة، بل لمزيد تعميق هذا السؤال ليتحول إلى سؤال وجود ورياضة ذهنية في مضمار فني؛ فالقصيدة تنبني عندها على الإيماء والإيحاء في اشتغال مركز على تقطيع العبارات وتصريفها ضمن صياغات ذات تراكيب مغايرة بخلاف تلك الجاهزة، ويتضح هذا الاشتغال في أجلى حالاته حين تعمد الشاعرة إلى ما يشبه "كولاج تشكيلي" يجمع بين واقعية مغرقة في سطحيتها وغرائبية تستلهم عناصرها من أساطير بعيدة، أو هي وقائع فعلية في معالجة تصل أحيانًا إلى التهكمية السوداوية والسخرية المرة، كما هو الشأن في قصيدة "مادةٌ مناسبةٌ للنشرِ (عواءٌ حزين)":
الكلبُ الذي عضَّه الرجل
فعلًا
أخبرَ القصةَ
متألمًا..
الكلبُ الذي عضَّهُ الرجل
لم يزايد على فعلِ الإنسان،
أو طالبَ بحقوقٍ خاصة للكلاب؛
للحمايةِ من الهجماتِ الإنسانيةِ
الشريرة،
ولم يدس السُّمَّ لهم
في شربَةِ ماء.
الكلبُ اكتفى فقط
بعواءٍ طويل،
ودمعةٍ اختلطت
بآخرِ قطعةِ لحمٍ بَقيَت
من الرجل الذي عضَّ الكلب َ
كمحاولةٍ بائسة،
قبل أن يصبحَ خبرًا صحفيًا.
هي شعرية خارج الأنساق المألوفة لا تتوسل الجرسية الموسيقية ولا تستجدي العواطف، تنتهك كل المعايير المعتمدة في الكتابة وتنسف كل الضوابط، مخالفة لأغلب سنن الإبداع التي تعود عليها الكتاب والشعراء.
شعرية الضمير اللقيط الذي لا عوائل له ولا أنساب، وكما قال أحد القدامى: "الإبداع أن تأتي بما لم يأت به الأوائل، وأن يفتح الكاتب ورشته الخاصة به، بأدواته التي لن يتقن أحد العمل بها إلا هو، هي تلك الخلطة الكيميائية السحرية التي لا يعرف سرها إلا صاحبها، ولقد أدركت "سهام محمد" أن تثببت الانسجام بين وحدات النص والسعي لتحقيق التناغم الكامل بين عناصره في إيقاع متجانس، فهذا مدعاة لإفساد النص بما يجعله مبتذلًا ركيكًا، تقول في قصيدة "في العتمةِ تتشابه النساء":
يحدثُ في مقامِ الأنثى..
أن تُسرَد الحكايَا
عن شمسٍ تذوب
لقبلاتٍ
تنسابُ بوداعةِ
تليقُ بالمنحنيات..
أن يُولَد نبضٌ
لنبعٍ يفيض
حين يَنضَجُ الحبُ المراوغ؛
فتُزهرُ لعذوبتهِ الغابة.
...
"في العتمةِ _حيث رجل وجَسَد_
تتشابه النساء"
يقول المُجَرِّبُ العابر،
غير أنَّ العارف
يسكنُ إلى النبضِ،
والنبضةُ: حدثٌ فرديٌّ
لا يتكرر.
من الواضح أن هذه القصيدة تقوم على البتر وعلى تقنية الوقف المفاجئ، بما يجعلها بازل، وهو ما يصنع نتواءاتها بما يحقق مبدأ التوتر الذي تحدث عنه "كمال أبو ديب" في كتابه "الشعرية"، وطبعًا ليس الغاية من هذا كله اللعب على أعصاب القارئ بقدر ما هي مرقى فني لاستدراجه في إعادة تركيب هذا البازل، فالقصيدة مترحلة بين الدلالات ولا تستعجل الوصول الى المعنى (الوصل من المفردات التي برز تكرارها في هذه المجموعة)، ومن المعلوم أن الوصول يعني الانتهاء، ويعني الفراغ، والشاعرة مدركة لهذا تمامًا، بل إنها تجيد الاشتغال عليه بمكر فائق الذكاء. وهو ما يزيد من تأكيد انتهاكاتها لكل الأعراف المعمول بها في كتابة القصيدة.
لقد احتوت هذه المجموعة الشعرية على صغر حجمها مختلف أشكال وأنواع الكتابة وأجناسها التي اتفق عليها المنظرون والأكاديميون والدارسون للأدب، فضمت ما اصطلح عليه ب"القصة القصيرة" و"أدب الرسالة" و"الأدب الشعبي" و"التقرير الصحفي" و"القصيدة بالنثر"، أو كما يتم تحديد الأجناس الأدبية، غير أن الشاعرة نسفت كل هذا وألقت به وراء ظهرها لتثبت فشل نظرية الأجناس الأدبية، وتثبت أن الشعرية هي المرقى الجمالي للكتابة، هذه الكتابة العابرة للأجناس، كما تنبأ بذلك "إدوارد الخراط"، والشاعرة بهذا الكتاب الصغير تجرأت أن تتحدى القاعدة والاستثناء؛ انتصارًا للشعرية.
الخصوصية والاختلاف في «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة» لسهام محمَّد
مجلة "ميريت الثقافية". العدد رقم (١٤)- فبراير ٢٠٢٠م.
"الخصوصية والاختلاف في «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة» لسهام محمد."
بقلم الكاتبة التونسية أ. "نجاح عز الدين".
قراءة في ديواني "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة".
....................
"الخصوصية والاختلاف في «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة» لسهام محمد."
بقلم الكاتبة التونسية أ. "نجاح عز الدين".
قراءة في ديواني "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة".
....................
لم يكن التَّمرُّد في قصيدة النّثر عند الشاعرة "سهام
محمد" التزامًا بالشروط والمقاييس التي وضعها بعض المنظِّرين للشعر الحديث
عامة وقصيدة النثر خاصة، بقدر ما كان هذا التَّمرُّد طبعًا في الشاعرة. فهي تلتقط اللحظات
العابرة وما أكثر العابر في نصوصها هي تغوص في تلك اللحظات وتتمعَّن فيها بعين
مجهرية مختلفة وبإحساس صادق وممتع فتشع نفسها الجميلة مضيئة ما حولها. لطالما تتبَّعَتْ
أعماق الأشياء العابرة وغاصت في كنهها وامتصَّت رحيق صدقها فطفى هذا العمق على
السطح ليجسِّد نفسًا متأرقة ومتألمة وحالمة تنشد عوالم أخرى تنبض بالحياة.
"سهام محمَّد" تبتكر لغة مغايرة مختلفة، لغة سلسة تصل
إلى النَّاس، تخاطبهم بقلبها وبحواسها، لكنها في الآن نفسه لغة ماكرة. هي تكتبنا وتصنع منّا
ذاكرتها فتتفطَّن إلى ماغاب عنَّا، فلغتها مرتبطة بشساعة خيالها وصفاء ذاكرتها، "سهام
محمَّد" لا تكرِّر نفسها، وهي تتقن فن التوظيف فتبني مشاهد غير عادية كأن
تبرهن على عجز قوانين الفيزياء الثابتة عن تحديد لحظات الحبّ العابرة وقياس نبضات
قلب العاشق. فلا تعير أيَّة أهمية للقوانين الفيزيائية التي تقدر على قياس المسافة
والمساحة والسرعة بوحدات قياس مناسبة لكنَّها تبقى عاجزة عن أن تفقه المعادل
الرياضي للعابر المجهول المباغت ولا هي قادرة على تحديد زمن اللقاء ولا أين
المسير؟
يعجز العلم الصحيح (إن كان فعلًا
صحيحًا) عن تفسير الإنساني المنفلت من الحسابات الجاهزة فلا يعثر على الإجابة عن أسئلة
وجودية كثيرة تنتاب الفرد ويمتد تيه الشاعرة فلا تجد له نهايات ولا قدرت قوانين
الفيزياء على الإمساك بلحظة «الخفقة الزائدة العابرة»
«قوانين لم تُدركها الفيزياء...
قيلَ عن المسافةِ..
إنها حاصل ضرب «السرعة × الزمن«،
وقيلَ أيضًا..
إنها المساحة التي يقطعها الجسمُ المتحرك بخطٍ مستقيم،
أما الإزاحة.. سيرٌ في اتجاهاتٍ مختلفة،
وكلتاهما تقاسُ بنفسِ الوحدة
وينتهي التعريف.
والذين قالوا.. لم يحددوا بأي زمنٍ يحينُ اللقاء
ولا بأيِّ اتجاهٍ يجبُ المسير،
الذين قالوا.. لم يجدوا المعادلَ الرياضيّ للعابرِ المجهول
ولا أدركوا وحدةَ قياسِ الخفقةِ الزائدة،
ولم يخطُّوا التعريفَ المحتمل والصحيح؛
فالمسافةُ.. كحزنٍ راقٍ في عينيهِ يفيد البوح،
أو كمساحةٍ آمنة لعدم التصريح،
المسافةُ.. فن الوصل والغياب،
المسافة.. حبيبان يلتقيان؛ فتعيدُ الفيزياءُ حساباتها عن الاشتعالِ والسكون
وعن كلِّ ما قيل.» (ص10)
إنها حاصل ضرب «السرعة × الزمن«،
وقيلَ أيضًا..
إنها المساحة التي يقطعها الجسمُ المتحرك بخطٍ مستقيم،
أما الإزاحة.. سيرٌ في اتجاهاتٍ مختلفة،
وكلتاهما تقاسُ بنفسِ الوحدة
وينتهي التعريف.
والذين قالوا.. لم يحددوا بأي زمنٍ يحينُ اللقاء
ولا بأيِّ اتجاهٍ يجبُ المسير،
الذين قالوا.. لم يجدوا المعادلَ الرياضيّ للعابرِ المجهول
ولا أدركوا وحدةَ قياسِ الخفقةِ الزائدة،
ولم يخطُّوا التعريفَ المحتمل والصحيح؛
فالمسافةُ.. كحزنٍ راقٍ في عينيهِ يفيد البوح،
أو كمساحةٍ آمنة لعدم التصريح،
المسافةُ.. فن الوصل والغياب،
المسافة.. حبيبان يلتقيان؛ فتعيدُ الفيزياءُ حساباتها عن الاشتعالِ والسكون
وعن كلِّ ما قيل.» (ص10)
هكذا تؤسس مفاهيم جديدة مبتكرة للمسافة والسرعة، سرعة
الحلول والرحيل، وفن الوصل والغياب، مفاهيم لا تتقيَّد بقاعدة ولا تقدِّس ناموسًا
ولا تعير للقوانين شأنًا. تلتقط الشاعرة في جلِّ نصوصها اللحظات المباغتة والاستثنائية
والسريعة سالكة التَّدرُّج من القاعدة إلى الاستثناء ومتنقلة من العام إلى الخاص
قتخلق كتابة ذات خصوصية. كثيرًا ما عادت الشاعرة إلى ذاتها والتعبير عنها
ومساءلتها ثم نقلها إلى الآخرين بالعودة إلى ذاكرة ثاقبة وثقافة تنم عن شغف للتطلُّع
وتعلُّق بالمعرفة ولا ننكر أيضًا توسلها
بتجاربها الشخصية المختلفة، تقول "سهام
محمد" في نصها «أولى المراسلات» (ص57) كاشفة عن ثراء
شخصيتها وتنوع مصادر ثقافتها «لن أحدّثك عن الفلسفة والكون، ولا آخر تصريح سياسي
أثار ضجة أو آخر معرض حضرته وآخر عمل قرأته أو كتبته..» فاستطاعت بكل ذلك أن تفسر الحب
تفسيرًا غير معهود لا على طريقة الشعراء القدامى في قصائد الغزل، فلم تستحضر صورة
العاشق والمعشوق ولم تتوسل بمعاجم الغزل بل تحدثك عن الشوق والدلال والغواية
والاشتهاء بأدوات تعمدت فيها التَّمرُّد والعصيان فكثَّفت المشهدية التي تشعرك
باستثنائية الإيقاع فكانت نصوصًا تحاك
حياكة دقيقة فتحدث إيقاعًا داخليًا تصنعه الصور والتشكيل اللغوي المختلف.
في قصيدة «شَوْق» تتحكم ثنائية الجمود والحركة في مشهد
البئر الساكن ماؤه بدا مشتاقًا إلى ماضيه المتحرك، فاقدًا «نشوة الذبذبات عند توتر
السطح»، رافضًا لراهنه القبيح، باحثًا عن الحرية والحياة بعد أن أسن ماؤه وتوقف
فعله، وللحرية طعم خاص لا سبيل إلى إنكاره لذلك تحزن "سهام محمد" لكل
إنسان يعجز عن التمتع بحريته فتقول «أحزن حقًا على كل إنسان لا يستطيع نيل حريته
في معتقده وأسلوب الحياة التي يحياها» (ص51) فالشوق ليس شوق العاشق لمعشوقه بل هو شوق للجمال
الذي فقده وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ يرحب البئر بالزلطة الحقيرة النكرة
«الدخيلة» وهو الذي لم يكن يعبأ بالقاع بعد أن أصابه الوهن وتعرَّى فاكتشف القبح.
قصيدة «شَوْق...»
شَوقٌ
كافتقاد الماءِ الساكنِ لنشوةِ الذبذبات
عند توتر السطح؛
وقتَها
لن ينظر البئر ل «الزَلَطة« التي استقرت في قاعهِ
كدخيلة،
سيرحبُ بها،
ويسألها.. عن حالِها، وكيف كانت الرحلة؟
وأخواتِها، وقَصَصِهن،
من مرَّ بهن، أو قذفهن عابثًا؟
وأخبارِ الصباراتِ التي تعرف الاستغناء،
وسكانِ ظلها
مِمَن نبذهم العالم،
وعن الطيورِ محلِّقات،
وعن عابرٍ...».
كافتقاد الماءِ الساكنِ لنشوةِ الذبذبات
عند توتر السطح؛
وقتَها
لن ينظر البئر ل «الزَلَطة« التي استقرت في قاعهِ
كدخيلة،
سيرحبُ بها،
ويسألها.. عن حالِها، وكيف كانت الرحلة؟
وأخواتِها، وقَصَصِهن،
من مرَّ بهن، أو قذفهن عابثًا؟
وأخبارِ الصباراتِ التي تعرف الاستغناء،
وسكانِ ظلها
مِمَن نبذهم العالم،
وعن الطيورِ محلِّقات،
وعن عابرٍ...».
فالصور تتكاثف وتتوهج والإيحاءات لا تحصى، البئر
سيعود لعاداته التي عرف بها، والبئر وطن لن يستمر ألمه سيعود إلى سالف عهده معطاء
يغدق خيراته على الجميع ويمتلئ ماءً صافيًا، وسيغير العابر المباغت الأوضاع وما
أكثر حضور هذا العابر في هذه الكتابة وما أكثر هذه النهايات المتفائلة سيتحقق
الحلم القادم، ويأتي يومًا مفرحًا يتغير فيه وجه الوجود وسيعاود البئر الامتلاء من
جديد هكذا كانت أغلب نصوصها تتفجَّر أملًا وشوقًا إلى حياة أفضل فلا تستسلم للسواد
ولا للظلمة المحيطة بها.
ولا نستثني هذا النفس التفاؤلي في علاقة الشاعرة بالحب
في أكثر من قصيدة وأكثر من نص فتبوح بكوامن نفس تحنّ للقاء منفلت. فإن تحدّثت "سهام
محمد" عن الحب لا يعني أنك ستجدها تبوح بتجربة عشقية عاشتها شاكية الأرق
والسهاد وباكية القمر الآفل لأنه غادرها وتركها وحيدة لم يكن بوحًا من هذا القبيل
بل هي غالبًا ما تلتقط لحظات عابرة وممتعة تأتي فجأة ودون حسابات وتجسَّدها في
مشاهد تمثيلية متناغمة خاصة جدًا. فالقصيدة عندها ليست قصيدة غزلية بالمعني
التقليدي هي غزل بالوجود وإمساك بالجمال في جمل قصيرة جدًا وبحبكة قصصية درامية
تختزل فيها الأحداث المتوالدة في نسيج عنقودي فقد تبدأ باكتشاف فتتّبع حركة
الكف حول الخصر فتحدث رعشة ثمّ تتمدّد فتصبح اجتياحًا خرافيًا.
رغم قدم تجارب العشق يختلف فعل الحب عند "سهام محمد"
إذ لكل عصر قصة حبه ولكل حب فتنته وغواياته واشتهاءاته هكذا تفطَّنت له فصنعت
الشاعرة الفارق كما تنبَّهت إلى سر القبلات واخترقت اللمسات العابرة لتولد
الأسطورة في قصيدة «وجاءَ من أقصى الغابةِ..
يسعَى...
رُبما
لانحدارِ كفٍّ على خاصِرة
_في أولِ الزمان_
وُلِدَ اكتشافٌ،
فاجتياحٌ،
وكنا؛
وسُطِرت أسطورةُ الخَصْرِ..
أو لانثناءِ الغصنِ
وأنثى تتهادى؛
رُبما
كان عصرُ الغزلِ..
أو هو الحبُ فتنةٌ،
غوايةٌ تسري
واشتهاء.» (ص3).
لانحدارِ كفٍّ على خاصِرة
_في أولِ الزمان_
وُلِدَ اكتشافٌ،
فاجتياحٌ،
وكنا؛
وسُطِرت أسطورةُ الخَصْرِ..
أو لانثناءِ الغصنِ
وأنثى تتهادى؛
رُبما
كان عصرُ الغزلِ..
أو هو الحبُ فتنةٌ،
غوايةٌ تسري
واشتهاء.» (ص3).
وفي قصيدة «وغاياتٌ أخرى» يتغير مفهوم الدلال هو
ضحكة تتسلل في الذاكرة تواسي من كان بعيدًا منعزلًا تتقاذفه المياه الثائرة،
فالضحكة حين يطمسها الواقع تحييها الذاكرة فتدر اللذة وتنشر الفرح وتشعرك بالمتعة
والانتشاء، والضحكة ككل الأحداث
المباغتة والسريعة الحركة،
كالنبضة، والقبلة، وانحدار الكف، كلَّها حركات فردية لا تتكرر وهي منفلتة ومنعتقة
وجميلة لا يقدر على الإمساك بها غير الشاعرة "سهام محمد" عبر الذاكرة
فتصنع منها أساطير وخرافات تقول الشاعرة
في قصيدتها «وغاياتٌ أخرى...»
والدلالُ..
فتنةٌ تغزِلُ الشوقَ
في قلبِ الحُرِّ
فتنةٌ تغزِلُ الشوقَ
في قلبِ الحُرِّ
فيذوب،
وضحكةٌ رائقة تتسلَّلُ،
وهو على ضفةٍ أخرى _من الحياةِ_
يَجمَعُ الشَبَك، يُلقي الشَبَك،
صيَّادٌ،
فَلَا يدري _وقتَها_ حقًا
مَن هَلَك؟!
...
والماءُ ثائرٌ..
يُرسلُ القواربَ
للأقصَى،
يتدفَّقُ
عَلَّهُ يحظى بذكرى يُخبِّئُها،
ثُم ينسابُ بوداعةٍ
تبجيلًا للثوبِ المُنحَسِر
»وأنا نازلة أتدلَّع أمْلَا القُلَل(*) «.
وضحكةٌ رائقة تتسلَّلُ،
وهو على ضفةٍ أخرى _من الحياةِ_
يَجمَعُ الشَبَك، يُلقي الشَبَك،
صيَّادٌ،
فَلَا يدري _وقتَها_ حقًا
مَن هَلَك؟!
...
والماءُ ثائرٌ..
يُرسلُ القواربَ
للأقصَى،
يتدفَّقُ
عَلَّهُ يحظى بذكرى يُخبِّئُها،
ثُم ينسابُ بوداعةٍ
تبجيلًا للثوبِ المُنحَسِر
»وأنا نازلة أتدلَّع أمْلَا القُلَل(*) «.
لذلك فهي وإن كرّرت اللحظات فهي لا تكرِّر نفسها
مطلقة العنان للتخييل واستدراج الواقع عنوة. فالشعر مغامرة، وولادة قيصرية
مؤلمة، وقدرة على التَّطلُّع إلى جمالية الأشياء، في نفس تفاؤلي انطلاقًا من
عناوين النصوص التي صنفتها إلى صنفين الصنف الأول خصَّت به المجموعة الشعرية
الأولى وأمَّا الصنف الثاني فهي نصوص نثرية منها ما وردت في شكل رسائل ومنها ما
كانت نصوصًا سردية في السيرة الذاتية وأهم هذه العناوين هي «وللشروق مذاقٌ آخر...»
(ص1)، «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة...»،
«نخبرُ الزهرات...»، «كلماتٌ مرسلة، ومحبة...»، «وغاياتٌ أخرى...»، «شَوْق...»،
«وضلَّ القمرُ مسارَه...»، «حين التحقق...»، «تحليق...»، «يقطن برجَه ويداعبُ السماء...».
ويقتضينا الإنصاف أن نقرّ بأنّ نصوص «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة...»
هي كتابة من نوع خاص كانت فيها "سهام محمد" وفيَّة لطبيعتها المتجدِّدة،
معلنة العصيان لاتستقر على حال، فالكتابة حياة قائمة على التدفق والحركة. ونصوص "سهام
محمد" تتداخل فيها أنماط الكتابة ولا تعترف بالتَّصنيف الأجناسي لأنها تأبى
العزلة والموت فليس لأحدهم الحقّ أن يحكم على الأذواق العامة على هواه. في هذا
الديوان (إنّ صحت تسمية الكتاب كذلك) ركبت الشاعرة والكاتبة صهوة الصعب وفتحت فوهة
بركان على نفسها غير عابئة بصرامة تلك المقاييس والتَّصنيفات التي أضفى عليها
بعض المنظرين للأدب هالة من التَّقديس والإلزام. جعلت "سهام محمد" "قصيدة
النَّثر" في هذا الكتاب جنبًا إلى جنب "الرسائل" و"السرود"
ونصوص "السيرة الذاتية" في كتاب واحد، وخصت كل مجموعة من النصوص سواء أكانت
شعرية أم سردية بعنوان رئيسي، ووردت هذه المجموعات في خمسة عناوين على النحو
التالي:
1- وللشروقِ مذاقٌ آخر.
2- يوم شكت الوردة.
3- والبعثاتُ تترى.
4- عوالمٌ أخرى، وحكايات.
5- كلماتٌ مرسلة، ومحبة.
ولكنّها لاتلتزم بترتيب محدّد ولا تحتكم إلى خطة
معينة في إدراجها لنصوص الكتاب بقدر ما تتداخل النصوص فقد نجد أحيانًا النص النثري
الواحد تتخلله القصيدة (في نص «ثالثة سياحية» مثلًا)
كما قد تتتناوب النصوص الشعرية والنثرية
السردية.
إنّ ما يحسب لسهام محمد ويجعل من كتابتها مختلفة عمن
سواها هو هذه الاختراقات التي تستهويها في كل مرة فتدرج مسوّدات ما تكتب وقد غيرت
عناوينها فتأتي النصوص عفوية بسيطة ولكنها ذات عمق (نص القطة لوزيَّة العينين).
ولم تكن الفصحى وحدها سبيل "سهام محمد" للكتابة
بل كسرت النسق المألوف وآلفت بينها وبين
اللهجة العامية المصرية فكان لقصيدة «القطة لوزيَّة العينين» نصيبها من العامية
المصرية ولا أعتقد أنها أقدمت على ذلك لغاية تضخيم الذات أو إغراقًا في المحلية،
بل إنها كلما روادتها فكرة ما أو استهواها مشهد محدد تفترسه ذاكرتها وتحبره كما هو، فلا يعيبها مثلًا
أن تنقل مشهد «القطة لوزيَّة العينين» الذي ارتجلته في ورشة «حكي» في معهد جوتة
بالقاهرة في يوم 21/12/2018، وما أثاره حينها في نفسها من انفعالات. ولا سبيل إلى
إنكار ما تميَّز به هذا النص العاميّ من حبكة قصصيّة، حيث تباغتنا الكاتبة
بنهاية طريفة ومؤلمة تقول سهام محمد في
هذا الصدد «القطّة اللي عينها لوزية زيك، فكّرتني بيك، بس الذكرى خلت العضَّة
المرة دي في القلب».(ص44).
كما تنشئ "سهام محمد" نصوصًا شعرية (قصائد
النثر) ونثرية سردية ثرية في مضامينها، ومحكمة في بنائها، ومتناغمة في أساليبها،
صانعة بذلك الجمال ومحققة المتعة مبهرة للقارئ العادي وغيره من المختصين في النقد.
في هذه النصوص التزمت الشاعرة والكاتبة الانفتاح على كل ما هو جميل وتعرية كل ما
هو قبيح، مؤسسة مفهومًا للالتزام مغايرًا، له خصوصية، لا يفهمها إلا من كان بطبعه
إيجابيًا حاملًا لفصيلة الدم «(o) الملكية» المانحة للحياة للفصائل الأخرى هي دعوة من "سهام
محمد" إلى نشر ثقافة المحبة (جواب 5 ص
55 ) فكتبت بوعي وموقف منحازة إلى هموم الآخرين مصرَّة على
التغيير والثورة على الموروث والخروج من العباءات والقوالب الضيِّقة إلى العالم
الفسيح أين دعت إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، فعرَّت تلك العقليات
المتحجرة التي تتهم المرأة بالخروج عنها والشذوذ عن أعرافها، تهان المرأة وتداس
كرامتها في ظل مجتمع لا يحترم المختلف عنه كانت الساردة تبحث عن الشعور بالانتماء
لكنها وجدت نفسها في بلدتها منبوذة وفي المدينة تائهة، تقول الساردة في «حوار رقم 2» «فقط أبحث عن التقبل في مجتمع
لا يتقبل المختلف وأحيانًا يخشاه فيهاجمه… أيقنت مؤخرًا أنَّ التّقبل يأتي من
الذّات وليس من الخارج» ص50. تيقنت الكاتبة كذلك أنّ المرأة المختلفة في هذا المجتمع تعيش الغربة تتلاطمها
أمواج الوحشة وتفترسها القساوة أينما حلّت وتتناوب عليها الخيبات فتعيش تائهة لا دساتير
تحميها ولا سلطات تعترف بها ولا ديانات يمكن أن تدافع عنها، هي إمرأة تصارع
بمفردها العقليات المتخلفة والعقول الفارغة، حاملة وزر حواء التي زعموا أنّها
اقترفت جريمة في حق آدم فأنصفه رجال الدين وناشده المجتمع، تقول "سهام محمد"
«لا ذكريات أملكها سوى السَّفر، الغربة، الوحشة، الطريق وهو يمر، وقسوة الحياة».
طفحت هذه النصوص بالبوح والنبش في المسكوت عنه
فولجت غمار عالم السياسة لكنها لم ترفع الشعارات الفضفاضة ولا دعت للتّداول السلمي
على السلطة بل انطلقت من خطاب سردي سلس توجهت به لصديقتها مؤكدة أنّ السياسة هي
وعي بالشواغل اليومية للمواطن العربي عامة والمصري خصوصًا فما يقع في اليمن أو في
سوريا لا يقل خطورة عما يعانيه المواطن المصري الفقير والمريض والعاجز عن تلبية
حاجياته البسيطة فكيف لمن يعاني التّهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي أن يستوعب
دواليب السياسة القذرة؟ كيف له أن يغيّر الأنظمة السياسية المستبدة ويثور على
الاضطهاد وهو المكبّل بالجهل والاحتقار والتهميش وسوء التغذية؟ كيف نطالب الناس
بالوعي بقضايا الإنسان، وفهم ما يحاك في الغرف المغلقة في البلدان المجاورة في
سوريا واليمن والعراق والحال أن هذا المواطن فاقد للسند ولكرامة الإنسان؟ هذا هو
المفهوم الحقيقي للسياسة وأما المسائل الأخرى فهي تمويه وتشويه للوجود، تقول "سهام
محمد" «أحيا على حدّ قولك في الذات وأقول في ذلك أنّ هناك حياة محيطة وأناس
لا يعلمون هذه المواضيع والقضايا وهم أحقّ بالحديث عنهم.. أحزن لما يحدث في سوريا،
أحزن على المهجرين واللاجئين ولكن أحزن أكثر كلما أسير في المنطقة التي سكنت بها
مؤخرًا فأجد أناسًا بسطاء مبتوري الأطراف يسعون لكسب الرزق برضا وابتسامة طيبة،
وأشاهد نسبة كبيرة من أجيال حديثة تعاني من التقزم وتشوهات في الساقين والعمود
الفقري بسبب سوء التغذية، وعدم وجود المال الكافي لدى الأهل لعلاج أبنائهم وربما
يلعب الجهل أيضًا دوره في طرق العلاج والتعامل مع الحالات المرضية» "جواب رقم
2" ص 50 ، وخاضت في شواغل وهموم مجتمعها ناقلة معاناة الكادحين العاملين بالتحديد،
وتأمّلت في بعض المسائل الوجودية وغاصت في أعماق ذاتها.
اختارت الكاتبة توجيه خمس رسائل لخمسة أصدقاء وهم على
التوالي «نسرين وصباح وأسماء وياسين وغادة» فخاطبت هؤلاء جميعا خطابا مباشرًا
وخاطبت نفسها في نصوص أقرب إلى السيرة
الذاتية فباحت بأعماق نفسها
المتألمة والتزمت بالدقة في التقاط
الأحداث.
امتطت "سهام محمد" هذه الرسائل وهذه الكتابة
السيرة الذاتية لتحفر في جراح النفس أوّلا متخلّصة من سلطة الأنا مستجيبة
لأوامر الأنا الأعلى فعرّت جوانب من شخصيتها على سبيل مراجعة الذات والتصالح
مع النفس فتقول «بعض عيوب الشخصية كالتّردّد، والحيرة وأحيانًا عدم الثقة بالنفس
……. وحدها الابتسامة تبقى، ولا أعلم من أين تستمد إشراقها فتظهر للناس جليَّة مرحِّبة
مخفّفة بعض آلام وحسرة عند أحدهم».
هكذا تعمّدت "سهام محمد" أن تكتب لقارئ قد
يصعب عليه فهم ما تكتب بل قد لا يقبل ماتبوح به. ولكنها أصرّت على أن تطهّر
الأعماق من العقد المتلبّسة بها وتحرّك المياه الراكدة، معرّية العالم الراهن
الّذي صنع وجودًا منمّطًا تحوّل فيه كلّ شيء إلى معادلات رياضية في عصر العولمة
التكنولوجية وجعلت نصوصها منفتحة ومشحونة بطاقة تفاؤليّة تنشر ثقافة المحبة وتعزّز
الجمال لدى الأجيال.
لقد حلّقت "سهام محمد" بأدبها خارج جدران
بيتها غير عابئة بردود فعل أطياف المجتمع، فطاوعت حلمها وحبّها للجمال وللحياة
فجاءت كتابتها متناغمة مع نفسها فلم تفرِّق بين نصوصها فضمتها كتابًا جامعًا للشعر
والنثر فأحدثت الفارق ومارست الاختلاف، معتبرة ما كتبت ليس إلا فيضًا من سيل. ولم
تكن الخصوصية في الكتابة عندها انزياحًا وتمرُّدًا على السنن والقوانين فحسب بل هي
حالة وعي بالأساس.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)













