مجلة "ميريت الثقافية". العدد رقم (١٤)- فبراير ٢٠٢٠م."الخصوصية والاختلاف في «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة» لسهام محمد."بقلم الكاتبة التونسية أ. "نجاح عز الدين".قراءة في ديواني "في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة".
....................
لم يكن التَّمرُّد في قصيدة النّثر عند الشاعرة "سهام
محمد" التزامًا بالشروط والمقاييس التي وضعها بعض المنظِّرين للشعر الحديث
عامة وقصيدة النثر خاصة، بقدر ما كان هذا التَّمرُّد طبعًا في الشاعرة. فهي تلتقط اللحظات
العابرة وما أكثر العابر في نصوصها هي تغوص في تلك اللحظات وتتمعَّن فيها بعين
مجهرية مختلفة وبإحساس صادق وممتع فتشع نفسها الجميلة مضيئة ما حولها. لطالما تتبَّعَتْ
أعماق الأشياء العابرة وغاصت في كنهها وامتصَّت رحيق صدقها فطفى هذا العمق على
السطح ليجسِّد نفسًا متأرقة ومتألمة وحالمة تنشد عوالم أخرى تنبض بالحياة.
"سهام محمَّد" تبتكر لغة مغايرة مختلفة، لغة سلسة تصل
إلى النَّاس، تخاطبهم بقلبها وبحواسها، لكنها في الآن نفسه لغة ماكرة. هي تكتبنا وتصنع منّا
ذاكرتها فتتفطَّن إلى ماغاب عنَّا، فلغتها مرتبطة بشساعة خيالها وصفاء ذاكرتها، "سهام
محمَّد" لا تكرِّر نفسها، وهي تتقن فن التوظيف فتبني مشاهد غير عادية كأن
تبرهن على عجز قوانين الفيزياء الثابتة عن تحديد لحظات الحبّ العابرة وقياس نبضات
قلب العاشق. فلا تعير أيَّة أهمية للقوانين الفيزيائية التي تقدر على قياس المسافة
والمساحة والسرعة بوحدات قياس مناسبة لكنَّها تبقى عاجزة عن أن تفقه المعادل
الرياضي للعابر المجهول المباغت ولا هي قادرة على تحديد زمن اللقاء ولا أين
المسير؟
يعجز العلم الصحيح (إن كان فعلًا
صحيحًا) عن تفسير الإنساني المنفلت من الحسابات الجاهزة فلا يعثر على الإجابة عن أسئلة
وجودية كثيرة تنتاب الفرد ويمتد تيه الشاعرة فلا تجد له نهايات ولا قدرت قوانين
الفيزياء على الإمساك بلحظة «الخفقة الزائدة العابرة»
«قوانين لم تُدركها الفيزياء...
قيلَ عن المسافةِ..
إنها حاصل ضرب «السرعة × الزمن«،
وقيلَ أيضًا..
إنها المساحة التي يقطعها الجسمُ المتحرك بخطٍ مستقيم،
أما الإزاحة.. سيرٌ في اتجاهاتٍ مختلفة،
وكلتاهما تقاسُ بنفسِ الوحدة
وينتهي التعريف.
والذين قالوا.. لم يحددوا بأي زمنٍ يحينُ اللقاء
ولا بأيِّ اتجاهٍ يجبُ المسير،
الذين قالوا.. لم يجدوا المعادلَ الرياضيّ للعابرِ المجهول
ولا أدركوا وحدةَ قياسِ الخفقةِ الزائدة،
ولم يخطُّوا التعريفَ المحتمل والصحيح؛
فالمسافةُ.. كحزنٍ راقٍ في عينيهِ يفيد البوح،
أو كمساحةٍ آمنة لعدم
التصريح،
المسافةُ.. فن الوصل والغياب،
المسافة.. حبيبان يلتقيان؛ فتعيدُ الفيزياءُ حساباتها عن الاشتعالِ والسكون
وعن كلِّ ما قيل.» (ص10)
هكذا تؤسس مفاهيم جديدة مبتكرة للمسافة والسرعة، سرعة
الحلول والرحيل، وفن الوصل والغياب، مفاهيم لا تتقيَّد بقاعدة ولا تقدِّس ناموسًا
ولا تعير للقوانين شأنًا. تلتقط الشاعرة في جلِّ نصوصها اللحظات المباغتة والاستثنائية
والسريعة سالكة التَّدرُّج من القاعدة إلى الاستثناء ومتنقلة من العام إلى الخاص
قتخلق كتابة ذات خصوصية. كثيرًا ما عادت الشاعرة إلى ذاتها والتعبير عنها
ومساءلتها ثم نقلها إلى الآخرين بالعودة إلى ذاكرة ثاقبة وثقافة تنم عن شغف للتطلُّع
وتعلُّق بالمعرفة ولا ننكر أيضًا توسلها
بتجاربها الشخصية المختلفة، تقول "سهام
محمد" في نصها «أولى المراسلات» (ص57) كاشفة عن ثراء
شخصيتها وتنوع مصادر ثقافتها «لن أحدّثك عن الفلسفة والكون، ولا آخر تصريح سياسي
أثار ضجة أو آخر معرض حضرته وآخر عمل قرأته أو كتبته..» فاستطاعت بكل ذلك أن تفسر الحب
تفسيرًا غير معهود لا على طريقة الشعراء القدامى في قصائد الغزل، فلم تستحضر صورة
العاشق والمعشوق ولم تتوسل بمعاجم الغزل بل تحدثك عن الشوق والدلال والغواية
والاشتهاء بأدوات تعمدت فيها التَّمرُّد والعصيان فكثَّفت المشهدية التي تشعرك
باستثنائية الإيقاع فكانت نصوصًا تحاك
حياكة دقيقة فتحدث إيقاعًا داخليًا تصنعه الصور والتشكيل اللغوي المختلف.
في قصيدة «شَوْق» تتحكم ثنائية الجمود والحركة في مشهد
البئر الساكن ماؤه بدا مشتاقًا إلى ماضيه المتحرك، فاقدًا «نشوة الذبذبات عند توتر
السطح»، رافضًا لراهنه القبيح، باحثًا عن الحرية والحياة بعد أن أسن ماؤه وتوقف
فعله، وللحرية طعم خاص لا سبيل إلى إنكاره لذلك تحزن "سهام محمد" لكل
إنسان يعجز عن التمتع بحريته فتقول «أحزن حقًا على كل إنسان لا يستطيع نيل حريته
في معتقده وأسلوب الحياة التي يحياها» (ص51) فالشوق ليس شوق العاشق لمعشوقه بل هو شوق للجمال
الذي فقده وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ يرحب البئر بالزلطة الحقيرة النكرة
«الدخيلة» وهو الذي لم يكن يعبأ بالقاع بعد أن أصابه الوهن وتعرَّى فاكتشف القبح.
قصيدة «شَوْق...»
شَوقٌ
كافتقاد الماءِ الساكنِ لنشوةِ الذبذبات
عند توتر السطح؛
وقتَها
لن ينظر البئر ل «الزَلَطة« التي استقرت في قاعهِ
كدخيلة،
سيرحبُ بها،
ويسألها.. عن حالِها، وكيف كانت الرحلة؟
وأخواتِها، وقَصَصِهن،
من مرَّ بهن، أو قذفهن عابثًا؟
وأخبارِ الصباراتِ التي تعرف الاستغناء،
وسكانِ ظلها
مِمَن نبذهم العالم،
وعن الطيورِ محلِّقات،
وعن عابرٍ...».
فالصور تتكاثف وتتوهج والإيحاءات لا تحصى، البئر
سيعود لعاداته التي عرف بها، والبئر وطن لن يستمر ألمه سيعود إلى سالف عهده معطاء
يغدق خيراته على الجميع ويمتلئ ماءً صافيًا، وسيغير العابر المباغت الأوضاع وما
أكثر حضور هذا العابر في هذه الكتابة وما أكثر هذه النهايات المتفائلة سيتحقق
الحلم القادم، ويأتي يومًا مفرحًا يتغير فيه وجه الوجود وسيعاود البئر الامتلاء من
جديد هكذا كانت أغلب نصوصها تتفجَّر أملًا وشوقًا إلى حياة أفضل فلا تستسلم للسواد
ولا للظلمة المحيطة بها.
ولا نستثني هذا النفس التفاؤلي في علاقة الشاعرة بالحب
في أكثر من قصيدة وأكثر من نص فتبوح بكوامن نفس تحنّ للقاء منفلت. فإن تحدّثت "سهام
محمد" عن الحب لا يعني أنك ستجدها تبوح بتجربة عشقية عاشتها شاكية الأرق
والسهاد وباكية القمر الآفل لأنه غادرها وتركها وحيدة لم يكن بوحًا من هذا القبيل
بل هي غالبًا ما تلتقط لحظات عابرة وممتعة تأتي فجأة ودون حسابات وتجسَّدها في
مشاهد تمثيلية متناغمة خاصة جدًا. فالقصيدة عندها ليست قصيدة غزلية بالمعني
التقليدي هي غزل بالوجود وإمساك بالجمال في جمل قصيرة جدًا وبحبكة قصصية درامية
تختزل فيها الأحداث المتوالدة في نسيج عنقودي فقد تبدأ باكتشاف فتتّبع حركة
الكف حول الخصر فتحدث رعشة ثمّ تتمدّد فتصبح اجتياحًا خرافيًا.
رغم قدم تجارب العشق يختلف فعل الحب عند "سهام محمد"
إذ لكل عصر قصة حبه ولكل حب فتنته وغواياته واشتهاءاته هكذا تفطَّنت له فصنعت
الشاعرة الفارق كما تنبَّهت إلى سر القبلات واخترقت اللمسات العابرة لتولد
الأسطورة في قصيدة «وجاءَ من أقصى الغابةِ..
يسعَى...
رُبما
لانحدارِ كفٍّ على خاصِرة
_في أولِ الزمان_
وُلِدَ اكتشافٌ،
فاجتياحٌ،
وكنا؛
وسُطِرت أسطورةُ الخَصْرِ..
أو لانثناءِ الغصنِ
وأنثى تتهادى؛
رُبما
كان عصرُ الغزلِ..
أو هو الحبُ فتنةٌ،
غوايةٌ تسري
واشتهاء.» (ص3).
وفي قصيدة «وغاياتٌ أخرى» يتغير مفهوم الدلال هو
ضحكة تتسلل في الذاكرة تواسي من كان بعيدًا منعزلًا تتقاذفه المياه الثائرة،
فالضحكة حين يطمسها الواقع تحييها الذاكرة فتدر اللذة وتنشر الفرح وتشعرك بالمتعة
والانتشاء، والضحكة ككل الأحداث
المباغتة والسريعة الحركة،
كالنبضة، والقبلة، وانحدار الكف، كلَّها حركات فردية لا تتكرر وهي منفلتة ومنعتقة
وجميلة لا يقدر على الإمساك بها غير الشاعرة "سهام محمد" عبر الذاكرة
فتصنع منها أساطير وخرافات تقول الشاعرة
في قصيدتها «وغاياتٌ أخرى...»
والدلالُ..
فتنةٌ تغزِلُ الشوقَ
في قلبِ الحُرِّ
فيذوب،
وضحكةٌ رائقة تتسلَّلُ،
وهو على ضفةٍ أخرى _من الحياةِ_
يَجمَعُ الشَبَك، يُلقي الشَبَك،
صيَّادٌ،
فَلَا يدري _وقتَها_ حقًا
مَن هَلَك؟!
...
والماءُ ثائرٌ..
يُرسلُ القواربَ
للأقصَى،
يتدفَّقُ
عَلَّهُ يحظى بذكرى يُخبِّئُها،
ثُم ينسابُ بوداعةٍ
تبجيلًا للثوبِ المُنحَسِر
»وأنا نازلة أتدلَّع أمْلَا القُلَل(*)
«.
لذلك فهي وإن كرّرت اللحظات فهي لا تكرِّر نفسها
مطلقة العنان للتخييل واستدراج الواقع عنوة. فالشعر مغامرة، وولادة قيصرية
مؤلمة، وقدرة على التَّطلُّع إلى جمالية الأشياء، في نفس تفاؤلي انطلاقًا من
عناوين النصوص التي صنفتها إلى صنفين الصنف الأول خصَّت به المجموعة الشعرية
الأولى وأمَّا الصنف الثاني فهي نصوص نثرية منها ما وردت في شكل رسائل ومنها ما
كانت نصوصًا سردية في السيرة الذاتية وأهم هذه العناوين هي «وللشروق مذاقٌ آخر...»
(ص1)، «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة...»،
«نخبرُ الزهرات...»، «كلماتٌ مرسلة، ومحبة...»، «وغاياتٌ أخرى...»، «شَوْق...»،
«وضلَّ القمرُ مسارَه...»، «حين التحقق...»، «تحليق...»، «يقطن برجَه ويداعبُ السماء...».
ويقتضينا الإنصاف أن نقرّ بأنّ نصوص «في ليلةٍ نجومُها يَقِظَة...»
هي كتابة من نوع خاص كانت فيها "سهام محمد" وفيَّة لطبيعتها المتجدِّدة،
معلنة العصيان لاتستقر على حال، فالكتابة حياة قائمة على التدفق والحركة. ونصوص "سهام
محمد" تتداخل فيها أنماط الكتابة ولا تعترف بالتَّصنيف الأجناسي لأنها تأبى
العزلة والموت فليس لأحدهم الحقّ أن يحكم على الأذواق العامة على هواه. في هذا
الديوان (إنّ صحت تسمية الكتاب كذلك) ركبت الشاعرة والكاتبة صهوة الصعب وفتحت فوهة
بركان على نفسها غير عابئة بصرامة تلك المقاييس والتَّصنيفات التي أضفى عليها
بعض المنظرين للأدب هالة من التَّقديس والإلزام. جعلت "سهام محمد" "قصيدة
النَّثر" في هذا الكتاب جنبًا إلى جنب "الرسائل" و"السرود"
ونصوص "السيرة الذاتية" في كتاب واحد، وخصت كل مجموعة من النصوص سواء أكانت
شعرية أم سردية بعنوان رئيسي، ووردت هذه المجموعات في خمسة عناوين على النحو
التالي:
1- وللشروقِ مذاقٌ آخر.
2- يوم شكت الوردة.
3- والبعثاتُ تترى.
4- عوالمٌ أخرى، وحكايات.
5- كلماتٌ مرسلة، ومحبة.
ولكنّها لاتلتزم بترتيب محدّد ولا تحتكم إلى خطة
معينة في إدراجها لنصوص الكتاب بقدر ما تتداخل النصوص فقد نجد أحيانًا النص النثري
الواحد تتخلله القصيدة (في نص «ثالثة سياحية» مثلًا)
كما قد تتتناوب النصوص الشعرية والنثرية
السردية.
إنّ ما يحسب لسهام محمد ويجعل من كتابتها مختلفة عمن
سواها هو هذه الاختراقات التي تستهويها في كل مرة فتدرج مسوّدات ما تكتب وقد غيرت
عناوينها فتأتي النصوص عفوية بسيطة ولكنها ذات عمق (نص القطة لوزيَّة العينين).
ولم تكن الفصحى وحدها سبيل "سهام محمد" للكتابة
بل كسرت النسق المألوف وآلفت بينها وبين
اللهجة العامية المصرية فكان لقصيدة «القطة لوزيَّة العينين» نصيبها من العامية
المصرية ولا أعتقد أنها أقدمت على ذلك لغاية تضخيم الذات أو إغراقًا في المحلية،
بل إنها كلما روادتها فكرة ما أو استهواها مشهد محدد تفترسه ذاكرتها وتحبره كما هو، فلا يعيبها مثلًا
أن تنقل مشهد «القطة لوزيَّة العينين» الذي ارتجلته في ورشة «حكي» في معهد جوتة
بالقاهرة في يوم 21/12/2018، وما أثاره حينها في نفسها من انفعالات. ولا سبيل إلى
إنكار ما تميَّز به هذا النص العاميّ من حبكة قصصيّة، حيث تباغتنا الكاتبة
بنهاية طريفة ومؤلمة تقول سهام محمد في
هذا الصدد «القطّة اللي عينها لوزية زيك، فكّرتني بيك، بس الذكرى خلت العضَّة
المرة دي في القلب».(ص44).
كما تنشئ "سهام محمد" نصوصًا شعرية (قصائد
النثر) ونثرية سردية ثرية في مضامينها، ومحكمة في بنائها، ومتناغمة في أساليبها،
صانعة بذلك الجمال ومحققة المتعة مبهرة للقارئ العادي وغيره من المختصين في النقد.
في هذه النصوص التزمت الشاعرة والكاتبة الانفتاح على كل ما هو جميل وتعرية كل ما
هو قبيح، مؤسسة مفهومًا للالتزام مغايرًا، له خصوصية، لا يفهمها إلا من كان بطبعه
إيجابيًا حاملًا لفصيلة الدم «(o) الملكية» المانحة للحياة للفصائل الأخرى هي دعوة من "سهام
محمد" إلى نشر ثقافة المحبة (جواب 5 ص
55 ) فكتبت بوعي وموقف منحازة إلى هموم الآخرين مصرَّة على
التغيير والثورة على الموروث والخروج من العباءات والقوالب الضيِّقة إلى العالم
الفسيح أين دعت إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، فعرَّت تلك العقليات
المتحجرة التي تتهم المرأة بالخروج عنها والشذوذ عن أعرافها، تهان المرأة وتداس
كرامتها في ظل مجتمع لا يحترم المختلف عنه كانت الساردة تبحث عن الشعور بالانتماء
لكنها وجدت نفسها في بلدتها منبوذة وفي المدينة تائهة، تقول الساردة في «حوار رقم 2» «فقط أبحث عن التقبل في مجتمع
لا يتقبل المختلف وأحيانًا يخشاه فيهاجمه… أيقنت مؤخرًا أنَّ التّقبل يأتي من
الذّات وليس من الخارج» ص50. تيقنت الكاتبة كذلك أنّ المرأة المختلفة في هذا المجتمع تعيش الغربة تتلاطمها
أمواج الوحشة وتفترسها القساوة أينما حلّت وتتناوب عليها الخيبات فتعيش تائهة لا دساتير
تحميها ولا سلطات تعترف بها ولا ديانات يمكن أن تدافع عنها، هي إمرأة تصارع
بمفردها العقليات المتخلفة والعقول الفارغة، حاملة وزر حواء التي زعموا أنّها
اقترفت جريمة في حق آدم فأنصفه رجال الدين وناشده المجتمع، تقول "سهام محمد"
«لا ذكريات أملكها سوى السَّفر، الغربة، الوحشة، الطريق وهو يمر، وقسوة الحياة».
طفحت هذه النصوص بالبوح والنبش في المسكوت عنه
فولجت غمار عالم السياسة لكنها لم ترفع الشعارات الفضفاضة ولا دعت للتّداول السلمي
على السلطة بل انطلقت من خطاب سردي سلس توجهت به لصديقتها مؤكدة أنّ السياسة هي
وعي بالشواغل اليومية للمواطن العربي عامة والمصري خصوصًا فما يقع في اليمن أو في
سوريا لا يقل خطورة عما يعانيه المواطن المصري الفقير والمريض والعاجز عن تلبية
حاجياته البسيطة فكيف لمن يعاني التّهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي أن يستوعب
دواليب السياسة القذرة؟ كيف له أن يغيّر الأنظمة السياسية المستبدة ويثور على
الاضطهاد وهو المكبّل بالجهل والاحتقار والتهميش وسوء التغذية؟ كيف نطالب الناس
بالوعي بقضايا الإنسان، وفهم ما يحاك في الغرف المغلقة في البلدان المجاورة في
سوريا واليمن والعراق والحال أن هذا المواطن فاقد للسند ولكرامة الإنسان؟ هذا هو
المفهوم الحقيقي للسياسة وأما المسائل الأخرى فهي تمويه وتشويه للوجود، تقول "سهام
محمد" «أحيا على حدّ قولك في الذات وأقول في ذلك أنّ هناك حياة محيطة وأناس
لا يعلمون هذه المواضيع والقضايا وهم أحقّ بالحديث عنهم.. أحزن لما يحدث في سوريا،
أحزن على المهجرين واللاجئين ولكن أحزن أكثر كلما أسير في المنطقة التي سكنت بها
مؤخرًا فأجد أناسًا بسطاء مبتوري الأطراف يسعون لكسب الرزق برضا وابتسامة طيبة،
وأشاهد نسبة كبيرة من أجيال حديثة تعاني من التقزم وتشوهات في الساقين والعمود
الفقري بسبب سوء التغذية، وعدم وجود المال الكافي لدى الأهل لعلاج أبنائهم وربما
يلعب الجهل أيضًا دوره في طرق العلاج والتعامل مع الحالات المرضية» "جواب رقم
2" ص 50 ، وخاضت في شواغل وهموم مجتمعها ناقلة معاناة الكادحين العاملين بالتحديد،
وتأمّلت في بعض المسائل الوجودية وغاصت في أعماق ذاتها.
اختارت الكاتبة توجيه خمس رسائل لخمسة أصدقاء وهم على
التوالي «نسرين وصباح وأسماء وياسين وغادة» فخاطبت هؤلاء جميعا خطابا مباشرًا
وخاطبت نفسها في نصوص أقرب إلى السيرة
الذاتية فباحت بأعماق نفسها
المتألمة والتزمت بالدقة في التقاط
الأحداث.
امتطت "سهام محمد" هذه الرسائل وهذه الكتابة
السيرة الذاتية لتحفر في جراح النفس أوّلا متخلّصة من سلطة الأنا مستجيبة
لأوامر الأنا الأعلى فعرّت جوانب من شخصيتها على سبيل مراجعة الذات والتصالح
مع النفس فتقول «بعض عيوب الشخصية كالتّردّد، والحيرة وأحيانًا عدم الثقة بالنفس
……. وحدها الابتسامة تبقى، ولا أعلم من أين تستمد إشراقها فتظهر للناس جليَّة مرحِّبة
مخفّفة بعض آلام وحسرة عند أحدهم».
هكذا تعمّدت "سهام محمد" أن تكتب لقارئ قد
يصعب عليه فهم ما تكتب بل قد لا يقبل ماتبوح به. ولكنها أصرّت على أن تطهّر
الأعماق من العقد المتلبّسة بها وتحرّك المياه الراكدة، معرّية العالم الراهن
الّذي صنع وجودًا منمّطًا تحوّل فيه كلّ شيء إلى معادلات رياضية في عصر العولمة
التكنولوجية وجعلت نصوصها منفتحة ومشحونة بطاقة تفاؤليّة تنشر ثقافة المحبة وتعزّز
الجمال لدى الأجيال.
لقد حلّقت "سهام محمد" بأدبها خارج جدران
بيتها غير عابئة بردود فعل أطياف المجتمع، فطاوعت حلمها وحبّها للجمال وللحياة
فجاءت كتابتها متناغمة مع نفسها فلم تفرِّق بين نصوصها فضمتها كتابًا جامعًا للشعر
والنثر فأحدثت الفارق ومارست الاختلاف، معتبرة ما كتبت ليس إلا فيضًا من سيل. ولم
تكن الخصوصية في الكتابة عندها انزياحًا وتمرُّدًا على السنن والقوانين فحسب بل هي
حالة وعي بالأساس.